تاريخ النشر : 30-03-2026
المشاهدات : 4
السؤال
ما حكم من حلف بيمين، فقال: "حرام وطلاق" على مالٍ عند صديق، وأنه لن يأخذه؟
الاجابة

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه، أما بعد:
فللأخت الكريمة صاحبة السؤال نقول:
فهمتُ من السؤال أن الرجل قال: "حرام وطلاق"، يقصد بذلك أنه إن أخذ هذا المال الذي عند صديقه، فإن زوجته تكون محرمة عليه، أو تكون طالقًا.
فإن كان هذا هو المقصود، فالمسألة خطيرة، ولا ينبغي له أن يتهاون في مثل هذا اللفظ.
أولًا:
الأصل أنه يجب عليه ألا يأخذ هذا المال من صديقه، ما دام قد علَّق على أخذه الطلاق أو التحريم.
لماذا؟
لأن الرجل إذا حلف بالطلاق أو حلف بالتحريم، فإن جمهور أهل العلم يرون أن الأمر يُؤخذ على ظاهره، ولا يُسأل عن نيته في الأصل، بل يُنظر إلى اللفظ الذي تلفظ به.
فإذا قال مثلًا:
"هي طالق إن أخذت هذا المال"
أو قال: "هي حرام عليَّ إن أخذت هذا المال"
فهذا عند جمهور العلماء له أثرٌ شرعيٌّ إذا فعل ما علَّقه عليه.
حكم الطلاق والتحريم عند الجمهور
إذا أخذ هذا المال بعد أن قال ذلك، فإن الحكم عند جمهور أهل العلم يكون على النحو الآتي:
1) إن كان قد علَّق الطلاق:
فإذا أخذ المال، وقع الطلاق.
فإن كانت هذه الطلقة الأولى أو الثانية، جاز له أن يراجع زوجته.
أما إن كانت هذه الطلقة الثالثة، فقد بانت منه بينونة كبرى، ولا تحل له حتى تنكح زوجًا غيره نكاحًا صحيحًا.
2) إن كان قد علَّق التحريم (الظهار):
كأن يقول:
"هي حرام عليَّ"
أو ما في معناه.
فهذا يدخل في باب الظهار عند كثير من أهل العلم، وتترتب عليه أحكام الظهار المعروفة، من الكفارة قبل المعاشرة.
قول آخر لبعض أهل العلم
وذهب شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وابن القيم، وكذلك عدد من أهل العلم المعاصرين، ومنهم بعض أهل الفتوى في السعودية، إلى أن المسألة يُنظر فيها إلى النية.
ومعنى هذا:
أننا نسأل:
ما الذي قصده حين قال: "حرام وطلاق"؟
فإن كان قصده فعلًا:
أن زوجته تُحرَّم عليه حقيقة
أو أن يقع عليها الطلاق حقيقة
فإنه إذا أخذ المال، ترتب الحكم كما نواه.
أما إن كان قصده:
ليس الطلاق الحقيقي، ولا التحريم الحقيقي،
وإنما كان يريد فقط:
تشديد اليمين
أو منع نفسه
أو إلزام نفسه
أو التهديد والتأكيد
فهنا قال هؤلاء العلماء:
إنه لا يقع طلاق ولا ظهار، لأن النية لم تكن إنشاء الطلاق ولا التحريم، وإنما كانت مجرد المنع أو الزجر أو التوكيد.
واستدلوا بقول النبي ﷺ:
«إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى».
مثال يوضح الفرق
مثل رجل يقول لزوجته:
"إن خرجتِ من البيت فأنتِ طالق"
ثم خرجت.
فهنا يُسأل عن نيته:
هل كان يقصد فعلًا:
إن خرجتِ فسأطلقك حقيقة؟
أم كان يقصد فقط:
التهديد أو المنع أو التخويف؟
فإن كان قصده الطلاق الحقيقي، وقع الطلاق عندهم.
أما إن كان قصده مجرد التهديد أو المنع، فلا يقع الطلاق، وإنما يكون ذلك في حكم اليمين، وتلزمه كفارة يمين عند من قال بهذا القول.
تطبيق هذا على المسألة المذكورة
في هذه المسألة، الرجل يريد أن يمنع نفسه من أخذ المال من صديقه، فقال هذا اللفظ تشديدًا على نفسه.
فإن كان:
قصده الطلاق أو التحريم حقيقة
فإذا أخذ المال، ترتب الحكم.
أما إن كان قصده فقط
أن يُلزم نفسه
أو يمنع نفسه
أو يشدد على نفسه
فهذا عند من رجَّح هذا القول لا يقع به طلاق ولا تحريم، وإنما يُعامل معاملة اليمين.
الخلاصة
الأحوط والأبرأ للذمة:
أن لا يأخذ هذا المال ما دام قد علَّق عليه هذا اللفظ الخطير.
والراجح في مثل هذه المسائل:
أنها ترجع إلى النية عند طائفة قوية من أهل العلم،
لكن مع ذلك فالمسألة ليست هيّنة، لأنها تتعلق بـ:
الطلاق
والظهار
واستمرار الحياة الزوجية
ولذلك لا ينبغي الاكتفاء بنقل عام، بل يجب أن تُعرض المسألة بألفاظها الدقيقة كما قالها الرجل تمامًا على مفتٍ موثوق أو دار إفتاء؛ لأن اختلاف كلمة واحدة قد يغيّر الحكم.

logo